محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أعجبك ديننا فلما كان يوم العيد ، فخرجوا إليه ، خرج معهم إبراهيم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : إني سقيم ، يقول : أشتكي رجلي . فتواطئوا رجليه وهو صريع ؛ فلما مضوا نادى في آخرهم ، وقد بقي ضعفي الناس : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فسمعوها منه . ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة ، فإذا هن في بهو عظيم ، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى بعض ، كل صنم يليه أصغر منه ، حتى بلغوا باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاما ، فوضعوه بين أيدي الآلهة ، قالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا . فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ فلما لم تجبه ، قال : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فأخذ فأس حديد ، فنقر كل صنم في حافتيه ، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر ، ثم خرج . فلما جاء القوم إلى طعامهم نظروا إلى آلهتهم قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ . وقوله : إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ يقول : إلا عظيما للآلهة ، فإن إبراهيم لم يكسره ، ولكنه فيما ذكر علق الفأس في عنقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ قال : قال ابن عباس : إلا عظيما لهم عظيم آلهتهم . قال ابن جريج ، وقال مجاهد : وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : أقبل عليهن كما قال الله تبارك وتعالى ضَرْباً بِالْيَمِينِ ثم جعل يكسرهن بفأس في يده ، حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ، ثم تركهن . فلما رجع قومه ، رأوا ما صنع بأصنامهم ، فراعهم ذلك وأعظموه وقالوا : من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين وقوله لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ يقول : فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا ويعلموا أنها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم ، فهي من أن تدفع عن غيرها من أراده بسوء أبعد ، فيرجعوا عما هم عليه مقيمون من عبادتها إلى ما هو عليه من دينه وتوحيد الله والبراءة من الأوثان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قال : كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . . . قالُوا فَأْتُوا بِهِ يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم لما رأوا آلهتهم قد جذت ، إلا الذي ربط به الفاس إبراهيم : من فعل هذا بآلهتنا ؟ إن الذي فعل هذا بآلهتنا لمن الظالمين أي لمن الفاعلين بها ما لم يكن له فعله . قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ يقول : قال الذين